88

لأنك من القرية أتيت إلى القرية تعود

“لأنك من التراب خُلقت إلى التراب تعود” – لعنة الله لآدم ترمز الى دورة الحياة والموت وجوهر الوجود البشري المؤقت والعابر. إن مجرد كون الإنسان من التراب، مهما كان المفهوم رمزيا، يربطه ارتباطا وثيقا بالأرض. مع مرور الوقت بدأ الانسان يُكيّف قبضته بالأرض بمكان ارتباط، عرَّف مناطقا جغرافية وعقلية، واستُعبد للروايات. كل ثقافة لها سرد فريد من نوعه، والذي غالبا ما يتناقض مع روايات أخرى. الاختلافات في الروايات (الدينية، التاريخية والثقافية) هي مصدر للكراهية والصراع، حيث يدَّعي كل جانب ملكيته الحصرية للحقيقة المطلقة.
في عام 1953، في وقت كانت فيه أجهزة الدولة مشغولة بتدمير مئات القرى الفلسطينية التي فرغت من سكانها خلال الحرب، فُتن مارسيل يانكو، الذي كان مسؤولا في بداية سنوات الـ50 عن تخطيط المتنزهات الوطنية، بجمال القرية العربية المهجورة عين حوض على سفوح جبل الكرمل، ووعد بإيجاد وسيلة لترميمها وجعلها قرية للفنانين. مثل كثير من معاصريه، رأى يانكو بأنقاض القرية العربية مشهدا فقط – القرية العربية التي تُمثل مشهدا لإسرائيل القديمة. في عام 1954 تم تغيير اسم القرية عين حوض إلى الاسم الجديد عين هود.
الكلمة العربية “عين” تعني الينبوع. وفقا للأسطورة العربية، الينبوع المتدفق يرمز إلى عين الأرض الدامعة بلا انقطاع. مياه الينابيع معروفة بفضائلها وعلى مر التاريخ البشري نُسجت حولها الأساطير والقصص. عادة يتشكل حوض عند مخرج المياه الطبيعية، كما البركة، وأحيانا تكون البركة من صنع الإنسان لاستخدامها في معيشته. من هنا جاءت تسمية القرية عين (ينبوع) حوض (بركة) التي هي لُب اهتمامنا.
البيان الجريء لغولدا مئير “كبار السن سيموتون والصغار سينسون”، كان من المفترض أن يكون نوعا من النبوءة، نبوءة بشأن مصير الأجيال القادمة للفلسطينيين الذين سيولدون في إسرائيل وفي مخيمات اللاجئين. كأنها لم تعلم أو لا يمكن أن تعلم أن الفلسطينيين يصرون على التذكر. أرض الميعاد التي حلم بها بني إسرائيل لمدة ألفي عام دون رؤيتها، والتي عرفوها وأحبوها فقط من خلال الوصف والقصص، أصبحت الأرض الموعودة للأجيال القادمة من اللاجئين الفلسطينيين الذين يحلمون بحق العودة، في الواقع، كبار السن يموتون والشباب يحلمون بالعودة إلى ديار آبائهم رغم أنه لم يسبق لهم رؤيتها أو تطأ أقدامهم أراضيها.
في أيار من هذا العام (2017) تحتفل دولة إسرائيل بـ69 عاما لاستقلالها وذكرى اليوبيل لحرب الأيام الستة، في حين الجانب الفلسطيني يحيي ذكرى يوم النكبة الـ69 والـ50 للنكسة. روايتين متوازيتين حيث حاول العديد من الناس الجمع بينهما على مر السنين وكثيرين آخرين ما زالوا يحاولون. لقاء بين الجانبين لن يسفر عن عدالة تاريخية وليس حتى سياسية، لكن إبراز قضية عين هود/عين حوض كل مرة من جديد ضروري وحتمي طالما هذا المكان بمثابة بركان خامد.
المعرض يطرح فيض من الأسئلة حول العلاقة المعقدة بين إسرائيل/فلسطين بشكل عام والمدلول النابع منها فيما يتعلق بالقرى عين حوض/عين هود على وجه الخصوص. على الرغم من أن الفنانين المشاركين في المعرض ليسوا من سكان القرى، هذه النظرة من الخارج تسمح لحيِّز رد فعل إن يكن مباشر أو غير مباشر; كل واحد منا، الإسرائيليين والفلسطينيين، نحمل التوتر، القلق والترسبات التي نكبر معها، وهم ينعكسون في سلوكنا اليومي، وبالطبع في الكثير من الإنتاج الإبداعي والفن.
يضم المعرض زاوية تصفُّح تقدم قراءة تاريخية للمنطقة عين هود/عين حوض: كتب، مقالات وأفلام المأخوذة من دراسات عن المنطقة في السنوات الأخيرة، بلطف من زوخروت.
رأفت حطاب
كانز المعرض

إنتاج هذا المعرض تم بفضل دعم مجلس هبايس للثقافة والفنون
شكر خاص لمارشا ريكليس وعدنه بست